عبد الرحمن بدوي
62
أرسطو عند العرب
فصل : قال : إن الرحمة الإلهية توجب تدارك الضعف بما يمكن أن يتدارك به بحسب كل شئ من مادته وصورته . فإن كان الحيوان ضعيفا عادما للعقل احتال له العقل الذي فيه ، أي الأمر العقلي الذي هو هبة وقوة من قوى نفسه التي تصوّره حتى تعطيه آلات دفّاعة عنه جلابة إليه . ونعنى بالعقل هاهنا النصيب من الأمر العقلي الذي كأنه فيض واحد لا يزال يتناقص وينحط من العقلية إلى النفسية إلى الطبعية . وهذا كلام بحسب التخييل ، وأما بالحقيقة فليس الواحد بالعدد ينقسم بل بالتناسب . فصل : قال : إن كان ذلك العالم تاما غاية التمامية وهي الفضلية ، فلا محالة أن فيه الأشياء كلها - أي لأنه يلزمه من حيث هو عقل أن يعقل ذاته ويعقل جميع الأشياء التي تلزم ذاته ، لأنه إذا عقل ذاته كان عاقلا لما يلزمها بلا توسط وعاقلا لكل ما يلزم ما يلزم له وما أيضا بلا توسط إذ لم يكن عقلا بالقوة يحتاج إلى إخطار بالبال حتى يصير له ذلك الواجب أن يعقله الذي لا يمكن أن يجهله خاطرا بالبال . فإن هذا إنما يجوز في العقول الناقصة . وإذا كان كذلك كان حكمه حكمنا لو خطرت لنا الأوساط بالبال على ترتيبها ، فعقلنا بالضرورة جميع النتائج . وأما هناك ، فالذي لنا بالقوة الناقصة أو القوة القريبة من التمام هو بالفعل التام ، فيجب أن يعقل كلّ شئ ، وأن يعقل كل شئ : هو أن يحضره صورة كل شئ معقولة مهذبة عن الغواشي الغريبة . فصل : قال : أما الحق الأول فكل ما يوجد عنه فهو معلوم له أنه يوجد عنه ويتبع وجوده وجوده ، ويصير به إمكانه وجوبا ، ولكنه لا ينزل منه منزلة من يقصده ويجعله غاية ويطلب له وجودا ، بل وجوده وجود يفيض عنه كلّ وجود على ترتيبه وعلى ما يعلم هو من الأصلح في وجود كل شئ والأصلح لنظام الكل الذي نعلم أن فيضانه عن ذاته ممكن الإمكان الأعمّ ، وأن أحسن ما يمكن عليه أن يكون كذا فيصير المعقول عنده من إمكان وجود الكل عنه على الوجه الأصلح لنظام الخير موجودا ؛ وسببه عقله لذاته وعقله للنظام الفاضل في وجود الكل . وهذا المعنى يسمى « انبجاسا » من حيث اعتبار جانب الموجودات عن الأول « وإبداعا » من جانب نسبة الأول إليها . ولقائل أن يقول : إن كان وجود الأشياء لازما لذاته على ما هي عليه فليس لتعلقها بأنه يعقل وجود الكل على أصلح الوجوه